الحكيم الترمذي
17
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فإن لم تقف مع ذلك ، رفع لك نور الطوالع ، وصورة التركيب الكلي ، وعاينت آداب الدخول إلى الخضرة الإلهية ، وآداب الوقوف بين يدي الحق ، وآداب الخروج من عنده إلى الخلق ، والمشاهدة الدائمة بالوجوه المختلفة ، من الظاهر والباطن ، والخيال الذي لا يشعر به كل أحد ، فما نقص من الوجه الظاهر ، أخذه من الوجه الباطن . والذات واحدة ، فما ثمّ نقص ، وكيف تلقى العلوم الإلهية من اللّه تعالى ، وما ينبغي أن يكون عليه المتلقي من الاستعدادات ، وآداب الأخذ والعطاء ، والقبض والبسط . وكيف يحفظ القلب من الهلاك المحرق ، فإن الطّرق كلّها مستديرة ، ما ثمّ طريق خطّيّ . وغير ذلك مما تضيق الرسالة عنه . فإن لم تقف مع هذا كله رفع لك عن مراتب العلوم النظرية ، والأفكار السليمة ، وصور المغاليط التي تطرأ على الأفهام . والفرق بين الفهم والوهم ، وتولد التكوينات بين عالم الأرواح والأجسام ، وسبب ذلك التولد ، وسريان السر الإلهي في عالم العناية ، وسبب من ترك الكون ، عن مجاهدة وعن لا مجاهدة ، وغير ذلك مما يطول . فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن عالم التصوير والتحسين والجمال ، وما ينبغي أن تكون عليه العقول من الصور المقدسة ، والنفوس الثانية من حسن الشكل ، والنظام ، وسريان القوة ، واللين ، والرحمة في الموصوفين بها . ومن هذه الحضرة يكون إمداد الشعراء ، ومن الذي قبله يكون إمداد الخطباء . فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن مراتب القطبية ، وكل ما شاهدته قبل فهو من عالم اللسان ، وهذا الموضع هو القطب . فإذا تجلى لك هذا العالم ، علمت الانعكاسات ، ودوام الدائمات ، وخلود الخوالك ، وترتيب الموجودات ، وسريان الوجود فيها ، وأعطيت الحكم الإلهية القدرة على حفظها ، والأمانة على تبليغها إلى أهلها ، وأعطيت الرموز والإجمال ، والقوة على الوهب ، والستر ، والكشف . فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن عالم الحمية ، والغضب ، والتعصب ، ومنشأ الخلاف الظاهر في العالم ، واختلاف الصور وغير ذلك . فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن عالم الغيرة ، وكشف الحق على أتم وجوهه ، والآراء السليمة ، والمذاهب المستقيمة ، والشرائع المنزلة ، وترى عالما قد زينهم اللّه من المعارف القدسية بأحسن زينة ، وما من مقام يكشف لك عنه إلا وهو يقابلك بالتعويز والتوقير والتعظيم ، ويعرب لك عن مقامه ومرتبته من الحضرة الإلهية ، ويعشقك بذاته . .